أحمد بن أعثم الكوفي

236

الفتوح

وفي يدها اليسرى جام من فضة مملوء بماء الورد على رأسها طائر أبيض كأنه الثلج بياضا ، حتى وقفت بين يدي جبلة ، ثم صفرت للطائر فانفض من فوق رأسها حتى سقط في جام ماء الورد ، فأخذ ما فيه بريش ذنبه وجناحه ، ثم صفرت ثانية فطار حتى سقط في جام المسك والعنبر فأخذ ما كان فيه ، ثم صفرت ثالثا فطار الطائر حتى سقط على صليب في تاج جبلة ، ثم جعل يذر ما بريشه وجناحيه على تاج جبلة ورأسه ووجهه ولحيته ، ثم رجع إلى موضعه وتنحت الجارية . ثم دعا جبلة بكأس عظيم مترع بالخمر فشربه ، فلما استوفاه التفت إلى الجواري اللاتي كن عن يمينه فقال لهن : هاتن فأطربنني ، قال : فخطفن ( 1 ) عيدانهن فاندفعن بصوت واحد . قال : وكان جبلة كلما سمع بيتا من الشعر ( 2 ) فرح واستبشر وتهلل وجهه ثم قال : لله در قائل هذا الشعر ! ولله موضع قوم وصف . قال : ثم دعا بكأس مترع من الخمر فشربه ، فلما استوفاه التفت إلى الجواري اللاتي عن يساره ، فقال : هاتن فأحزنني ، قال : حركت الجواري . أوتار عيدانهن وأمسكن من ضرب عيدانهن ، فبكى جبلة حتى تحدرت دموعه على لحيته وخده ، وإذا بجارية قد أقبلت ومعها منديل من ديباج أو حرير فمسحت وجهه ولحيته ثم تنحت . قال حذيفة : فأقبل علي جبلة فقال : يا حذيفة ! أتعرف هذه المنازل اللاتي ذكرن هؤلاء الجواري ؟ ( 3 ) قال فقلت : أعرف بعضها وأنكر بعضها ، فقال : هذه والله منازلنا ( 4 ) بالغوطة من أرض دمشق ! ولكن هل تعرف الشعر الأول والثاني ؟ فقلت : لا ، قال : هذا شعر حسان بن ثابت الأنصاري ، كان كثيرا ما يزورنا في

--> ( 1 ) في الأغاني : فخفقن بعيدانهن . ( 2 ) الشعر في الأغاني 15 / 166 والعقد 2 / 59 - 60 . ( 3 ) ومما غنين : ( عن الأغاني 15 / 166 والعقد 2 / 60 ) : لمن الدار أقفلت بمعان * بين شاطئ اليرموك فالصمان فحمى جاسم فأبنية الص‍ * - غر مغنى قنابل وهجان فالقريات من بلاس فدار * يا فسكاء فالقصور الدواني ذاك مغنى لآل جفنة في الد * ار وحق تعاقب الأزمان قد أراني هناك حقا مكينا * عند ذي التاج مقعدي ومكاني ( 4 ) في الأغاني : في ملكنا بأكناف دمشق .